يستعرض مروان معشر في هذا التحليل، الذي نشره مؤسسة كارينجي، كيف كشف الصراع الإيراني عن هشاشة الأمن الخليجي رغم الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية الأمريكية، ويحلل تداعيات الحرب على مواقف دول الخليج من الولايات المتحدة وإسرائيل.


توضح مؤسسة كارينجي أن الحرب في إيران أثارت غضبًا خليجيًا جماعيًا ضد طهران والولايات المتحدة، كما شمل رد الفعل الشعبي بعض الاستياء من إسرائيل. أسفرت العمليات العسكرية الأخيرة عن سقوط قتلى من المدنيين، وتدمير البنية التحتية الحيوية، وانقطاع خطوط اقتصادية رئيسية. استهدفت بعض الدول الخليجية بسبب وجود قواعد أمريكية على أراضيها، ما أبرز مدى تعرضها للخطر رغم تحالفاتها الاستراتيجية.

 

موقف السعودية والإمارات: اتجاهات مختلفة

 

كانت السعودية تعتبر إيران تهديدًا رئيسيًا للمنطقة بسبب أنشطتها العسكرية ودعمها لفصائل في العراق واليمن ولبنان. سعت الرياض للحصول على حماية أمريكية عبر أسلحة متقدمة، وبرنامج نووي سلمي، ومعاهدة دفاعية تضمن التدخل الأمريكي في مواجهة أي تهديد إيراني. لكن الإدارة الأمريكية رفضت في البداية، مطالبة بربط الاتفاق مع تطبيع العلاقة مع إسرائيل.


عندما ضربت إيران منشآت نفطية سعودية عام 2019 دون تدخل أمريكي، عززت الرياض علاقاتها مع الصين لتوجيه رسالة للولايات المتحدة، ما أدى لاحقًا إلى تفاهم أمريكي على التعاون النووي وبيع أسلحة متقدمة. حاولت السعودية أيضًا فتح قنوات تفاوض مع إيران لتخفيف التوتر، لكن الحرب الحالية أجهضت أي جهود للتقارب، ووضعت الرياض أمام تحديات جديدة في إدارة علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة.


على الجانب الآخر، تبنت الإمارات سياسة فصل القضية الفلسطينية عن علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل، وفق اتفاقيات أبراهام، واستمرت في محاولة التهدئة مع إيران قبل الحرب. لكن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي استهدفت الإمارات أجبرت القيادة الإماراتية على موقف أكثر تشددًا، داعية الإدارة الأمريكية إلى تكثيف الدعم العسكري.

 

الصراع مع إيران وتأثيره على الاستراتيجيات الخليجية

 

أظهرت الحرب ضعف حماية دول الخليج رغم الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية الكبرى والقواعد الأمريكية الكبيرة. وفي ختام الحرب، ستواجه هذه الدول مفترق طرق استراتيجي، مع محاولات تشكيل موقف خليجي موحد تجاه القضية العربية-الإسرائيلية. تنسق السعودية وقطر مع مصر والأردن وبعض الدول غير العربية مثل تركيا وباكستان وإندونيسيا لتوحيد المواقف حول حل الدولتين، لكن هذا التحالف لا يشمل الإمارات التي تتبنى مقاربة مختلفة تجاه إسرائيل.

 

تحديات المصداقية والاعتماد العسكري

 

يمكن للقيادة السعودية تهديد تنويع علاقاتها العسكرية والاقتصادية، خصوصًا مع الصين، لكن الحفاظ على هذه الورقة دون تنفيذها يقلل من مصداقيتها. صعوبة استبدال المعدات الأمريكية بخيارات صينية أو روسية تجعل الرياض لا تزال تميل إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، مع طلب ضمانات أكبر لحماية أراضيها مقابل استمرار قواعد أمريكية على أرضها.


تواجه السعودية أيضًا تحديًا داخليًا؛ حيث يرفض الرأي العام أي تقارب مع إسرائيل في ظل سياسات توسعية إسرائيلية حالية. تهدف القيادة السعودية لتحقيق استقرار إقليمي يجذب الاستثمار ويساعد على تنفيذ خطة "رؤية 2030"، وهو ما يضعها أمام صراع موازٍ بين المصلحة الأمنية والسياسية والضغط الشعبي.


توضح الحرب على إيران أن الدول الخليجية لم تعد محمية بالاتفاقيات الاقتصادية أو العسكرية الأمريكية وحدها، وأن قدرتها على توحيد موقف إقليمي مستدام ما تزال محدودة. يبقى السؤال الكبير: هل ستتمكن دول الخليج من تحويل غضبها إلى موقف استراتيجي موحد، أم ستعود لتتجزأ مجددًا؟ المراقبون يترقبون بفارغ الصبر كيفية تشكيل السياسات المقبلة في المنطقة، خاصة مع استمرار التهديدات الإسرائيلية والإيرانية على حد سواء.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/03/arab-gulf-united-states-diplomacy-iran-war